ابن عساكر
مقدمة ودراسة 6
معجم الشيوخ
بعضها عن بعض : فارس وكرمان والعراق والشام ، وكثيرا ما قتل السلاطين بعضهم بعضا فآل الحكم إلى أبنائهم وهم أطفال صغار ، مما أدى إلى علو شأن الأتابكة وهم الذين يتولون تربية هؤلاء الأطفال ويشرفون عليهم ، ويدبرون شؤون البلاد ريثما يكبرون ، فما لبث الأتابكة أن انخلعوا من طاعة السلاطين ورأوا أن يمكنوا لأنفسهم في الحكم بدلا من أن يحفظوه لغيرهم . وكان حظ بلاد الشام من الخلافات والمنازعات وما تجره من البلايا عظيما ، فبعد مقتل حاكمها تتش بن ألب أرسلان تنازع ولداه دقاق ورضوان الحكم ودارت بينهما حروب تقاسما على أثرها بلاد الشام ، واتخذ رضوان حلب عاصمة له ، واتخذ أخوه دمشق عاصمة له « 1 » . وفي مصر بعد اختفاء الحاكم بأمر اللّه ونهايته الغامضة وزوال عهده بما فيه من بلايا واضطرابات ، سقطت البلاد في مهاوي الحروب والفتن وعمتها المجاعات ، فلم تبق - رغم قوة أسطولها البحري - قادرة على حماية سواحل الشام التي كانت تسيطر عليها ولا القدس التي انتزعتها من السلاجقة عام 492 « 2 » بدعوى حمايتها من الفرنج زمن انشغال رضوان ودقاق بمنازعاتهما . هكذا كانت الحال الغالبة على الحكام في تلك الحقبة ؛ اشتد بأسهم بينهم ففشلوا وذهبت ريحهم ، وظلموا وتعسفوا فسلّط عليهم عدو أتاهم من أقصى الأرض ينتزع ما بأيديهم ، ويدوس حضارتهم ومقدساتهم ، ويدمر بنيانهم ، ويجثم بظلامه وجهله على صدرهم ، فلا ينزاح عنه بعد قرنين من الزمن إلا وقد أوهى قواهم ، وكاد يزهق أنفاسهم . زحف إلى بلاد الشام شذاذ الآفاق الذين انطلقوا من غرب أوروبا وتجمعوا من كل حدب وصوب فيها ، يشدهم إلى المشرق « 3 » ما سمعوه عن حضارته
--> ( 1 ) الكامل في التاريخ : 10 : 269 . ( 2 ) الكامل في التاريخ : 10 : 283 . ( 3 ) مراجع لأسباب الحروب الصليبية : خطط الشام 1 : 248 وما بعدها ، وقصة الحضارة -